نصر حامد أبو زيد

99

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

للوحي ، وهو مجرد وسيط « مبلغ » كما سبقت الإشارة ، فلا شك أن استجابته لأحوال المخاطبين بالنص تكون هي الأساس . والفصل بين المتلقي الأول وبين المخاطبين فصل لا مبرر له على أية حال . إن النص هنا يستجيب لواقع ثقافي له شروطه الموضوعية الخاصة وأهمها « الشفاهية » . وإذا كان القرآن يشير إلى كتب سابقة نزلت على الأنبياء السابقين ، ويشير إلى ألواح موسى التي كتب له فيها من كل شيء ، فان تصور الثقافة أن الأنبياء السابقين كانوا قارئين كاتبين - وهو تصور ثقافي لا حقيقة تاريخية - فهم هذا فهما حرفيا . ولذلك كان تبرير التنجيم في حالة القرآن مقترنا بتصور النزول الكامل للكتب السابقة ، وهو ما جعل المشركين يعترضون - كما سلفت الإشارة - على تنجيم نزول القرآن . لكن فهم علماء القرآن لعلة التنجيم يتجاوز اطار مراعاة حال المتلقي الأول إلى مقاربة الاحساس بجدلية العلاقة بين النص والواقع . إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن من منظور ديني هو : لما ذا كان التنجيم مراعاة للوقائع والأسباب ، واللّه سبحانه وتعالى عالم بالوقائع كلها جملتها وتفاصيلها قبل أن تقع ؟ ولا شك أن مثل هذا السؤال يتجاهل حقيقة أن الفعل الإلهي في العالم فعل في الزمان والمكان ، أي فعل من خلال قوانين العالم ذاته ، سواء كان عالما طبيعيا أم عالما اجتماعيا . وإذا كانت هذه القوانين ذاتها من منظور ديني من صنع اللّه ، فان السؤال نفسه يفقد مبرر طرحه . لكن الذي برّر طرح هذا السؤال عند علماء المسلمين هو تصورهم أن مراعاة قوانين الزمان والمكان في الفعل الإلهي يتضمن تهوينا من شأن « القدرة الإلهية » المطلقة . وقد جاءت إجابة علماء القرآن على هذه الأسئلة كاشفة عن وعي لم يتح له للأسف أن يمتد إلى كل علوم القرآن . كان السؤال الذي طرح هو : ألم يكن في قدرة اللّه المطلقة أن ينزل القرآن جملة واحدة ، وأن يقدر النبي صلّى اللّه عليه وسلم على حفظه دفعة واحدة وكان الجواب : ليس كل ممكن لازم الوقوع . وأيضا في القرآن أجوبة عن أسئلة ، فهو سبب من أسباب تفرق النزول ، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما نزل معرفا « 1 » . إن هذا الفهم من جانب علماء القرآن ظل للأسف فهما جزئيا ، ومن ثم لم يتح له أن يظل حيا على المستوى الحقيقي في ثقافتنا ، وان ظل له على المستوى النظري نوع من الاعتراف ، ولكنه اعتراف يتبدد في اعطاء الأولوية في التفسير للقائل على الواقع . وإذا كانت أسباب هذا الفصل بين النص والواقع في تراثنا الديني أسبابا يمكن تلمسها في سيطرة

--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 231 .